الدستور الكويتي... إعادة قراءة

 الدستور الكويتي.. إعادة قراءة

مما لا شك فيه أن دولة الكويت تتميز عن باقي دول المنطقة بأنها تمتلك وثيقة تحدد فيها حقوق الحاكم والمحكوم وأن هذه الوثيقة الموقعة في تاريخ (١١ نوفمبر ١٩٦٢م) من قبل صاحب السمو الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح قد حددت أن دولة الكويت عبارة عن إمارة دستورية وراثية وأن دين الدولة الإسلام.

جاء هذا الدستور كخلاصة لجهود سابقة وتجارب عديدة وتضحيات كبيرة قدمها أبناء الكويت وكلها أدت لولادة دستور (١٩٦٢م)، حيث نتذكر جميعا ماحصل في عام (١٩٢١م) عندما أسفر إجماع وجهاء الكويت مع آل الصباح عن تدوين ميثاق إصلاح أوضاع العائلة الحاكمة وجاء ذلك التوجه لإصلاح بيت آل الصباح كي لا يجري بينهم خلاف في تعيين الحاكم وأدى ذلك لنتائج أخرى أهمها تم تكوين أول مجلس إستشاري في عهد الشيخ أحمد الجابر الصباح على الرغم من أن أعضاءه جاءوا بالتعيين إلا انه كان بداية لمرحلة جديدة يمر بها بلد صحراوي كالكويت.

هناك تجارب عدة مرت بها التجربة الدستورية في الكويت قبل توقيع الدستور الحالي في (١٩٦٢م) ولعل أبرزها (المجلس التشريعي الأول) الذي قام في عام (١٩٣٨م)بفضل جهود حركة سياسية كويتية كانت تسمى (الكتلة الوطنية) التي طالبت بإصلاحات سياسية وإقتصادية وأبرز أعضاء هذه الكتلة هم السيد عبدالله الصقر والسيد سليمان العدساني والسيد عبداللطيف الغانم وغيرهم، على الرغم من أن هذا الكتلة كانت تعبر عن الطبقة البرجوازية في الكويت وهم طبقة (التجار) إلا أنها كانت متماشية مع التطور الإجتماعي في البلد وكانت هذه الطبقة (التجار) متضررة من تدخل البريطانيين في ثروات البلاد وشؤونها وجاءت هذه الرغبة من قبل الحركة الوطنية أيضا بسبب تجاهلهم من قبل القيادة الحاكمة وعدم تنفيذ الوعود بالتشاور معهم في أمور البلاد، جرت عن طريق هذا المجلس الذي أستمر لمدة (١٧٣)يوما العديد من الإصلاحات أبرزها التحديث في تدابير تنظيم الميزانية والقضاء والتعليم والجمارك والعمران وأقر هذا المجلس مشروع دستور للبلاد تحت إسم "القانون الأساسي الكويتي" الذي تكون من (٦٩)مادة والذي جاء في أحدى مواده《 للكويتيين حرية إبداء الرأي والنشر والإجتماع وتأليف الجمعيات والإنضمام إليها》 ويدلل هذا المشروع على التطور الفكري الذي كان يمتلكه الكويتيين في تلك الفترة والذي بزغ في صياغتهم لهذا المشروع وأعتباره كدستور للبلاد في الثلاثينيات.

لكن سرعان ماتم ضرب مجلس (١٩٣٨م) لأنه كان في نظر السلطة السياسية وفي نظر شركات النفط آنذاك أنه قد تعدى الحدود عندما أصر المجلس على تنفيذ مشروع الدستور الذي نص على أن الأمة مصدر السلطات وتعدى الحدود مرة أخرى عندما أصر على الإطلاع على إتفاقية البترول والتدخل في شؤون شركات النفط لحماية عمال الشركة الكويتيين وهناك أسباب إجتماعية منها عدم وجود تمثيل للطائفة الشيعية في المجلس وللذي يعتبرون مكون أساسي في المجتمع الكويتي وكذلك رؤية المحافظين في المجتمع أن الإصلاحات لا تتماشى مع تقاليد المجتمع.

نأتي الأن لدستور (١٩٦٢م) الذي يعتبر نتاج كل التجارب السياسية والدساتير السابقة ونوعا ما أشمل من الدساتير السابقة، هذا الدستور المكون من (١٨٣) مادة نصت أولى مواده على أن الكويت دولة عربية مستقلة وفي مادته الثانية التي بينت أن دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع ونص هذا الدستور في العديد من المواد على أن الدولة تصون دعامات المجتمع وترعى النشء وأن الدولة تكفل التعليم وترعاه، لكن هناك مادة أصبحت في العقد الأخير وأكثر تظهر مراراً وتكرارا ً وأصبح الكثيرين يرددونها وهي المادة السادسة التي تنص على أن 《 نظام الحكم في الكويت ديموقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في هذا الدستور 》لأن البعض شعر بأن هذا المادة لم تقصد الديمقراطية الموجودة في الدول المتطورة ديمقراطياً بل هي ديمقراطية بنسخة كويتية فقط لا غير!

دستور (١٩٦٢م) قد كان صالحاً لعقود سابقة من تاريخ الكويت السياسي والإجتماعي ولا ينكر أحد أنه في الحقبة السابقة كان يعتبر نموذج يحتذى به في ظل أقليم تسوده ملكيات وإمارات كانت تحكم وفق نظام القبيلة والعشيرة، لكن جاء الوقت الذي يجب أن يعاد النظر في بعض مواد هذا الدستور فيما يتعلق بالعملية والإجراءات الديمقراطية، حيث أن هذا الدستور (دستور ١٩٦٢م) أعطى صلاحية أن تصوت السلطة التنفيذية (الحكومة) على من يرأس السلطة التشريعية (مجلس الامة) المعنية بمحاسبة ومراقبة الحكومة برئيسها ومن تحته من وزراء وهذه الصلاحية تشوه صلب الديموقراطية ولا تشبه مايحصل في الديمقراطيات المتطورة حيث أن عندهم تكون الحكومة منتخبة من الشعب وليست بالتعيين ونظام المحاصصة الحاصل هنا.

يجب إضافة مواد تقنن قيام الأحزاب السياسية وتنظمها وتنظم عملية تمويلها المالي من قبل من يريد إنشاء حزب، ولمواكبة العصر الذي أصبحت فيه الديمقراطية سمة من سمات التطور يجب جعل السلطة التنفيذية منتخبة(الحكومة) يشكلها الحزب الحاصل على أعلى نسبة تصويت ليكون هناك تناسق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

قيام الأحزاب قد يربك البعض بسبب ماحصل في بعض الدول العربية التي لديها أحزاب سياسية  وتحولت مع الوقت هذه الأحزاب لميليشيات عسكرية كما حصل في لبنان، لكن لنرى فعلا هل مر على الكويت شكلاً من أشكال الهيكل التنظيمي للحزب؟

مر على الكويت الكثير من التشكيلات السياسية المشابهة لتكوين الأحزاب ومارست هذه الأمثلة ما تمارسه الأحزاب السياسية في الدول المتطورة من توحيد للأولويات وتشكيل للهيكل التنظيمي وممارسة للضغط السياسي لتحقيق المصالح ولتعيين أعضاء هذا التشكيل في الحكومات، نذكر على سبيل المثال لا الحصر حركة حدس التي تتخذ من جمعية الإصلاح مقراً لها وهذه الحركة هي ذات طابع إسلامي سياسي هيكلها التظيمي كالحزب تماماً لديها رئيساً للحركة وأعضاء مكتب تنفيذي وأعضاء ميدانيين لنشر ثقافة هذه الحركة وكذلك لديها مرشحين في كل دورة إنتخابية لمجلس الأمة ليحققون مصالح هذه الحركة، ولديها أدوات ضغط سياسي لتعيين أعضاء الحركة كوزراء في الحكومة، ولدينا أيضاً عدة أمثلة كذلك تدعم نظرية الحزب ومنها حركة المنبر الديمقراطي الكويتي والحركة التقدمية الكويتية وكتلة العمل الشعبي، كل هذه الأمثلة تملك خصائص الأحزاب من حيث الهيكل التنظيمي والرؤى المشتركة وأدوات الضغط السياسي وعملية ترشيحهم لأشخاص يمثلون الحركة في المجالس النيابية، كل ماينقص هذه الحركات هي بعض التعديلات والإضافات في دستور (١٩٦٢م) التي لابد أن تخلق لهذه الحركات القوانين التي تساعد في تكوينها وتمويلها ومشاركتها في العملية السياسية في أفضل شكل.

الدستور كنز نفتخر به أمام كل دول المنطقة والإقليم، وجاء الوقت الذي لابد أن نقوم بتطويره وجعله مواكب لتطلعات الأجيال الحالية والقادمة، حيث أنه بسبب هذا الشكل المنقوص في العملية الديمقراطية التي نمارسها حاليا كثر الفساد السياسي وزاد العداء بين الحكومة وممثلين الأمة بسبب إختلاف الأولويات وبسبب قيام الحكومة بتقليص صلاحيات مجلس الأمة وذلك بممارستها لأقسى عمليات الإقصاء السياسي المتمثلة في حبس الحريات وقيامها برد القوانين الشعبية المنادية بالحريات أو عن طريق الضغط على من يصوت للقوانين الشعبية، والديمقراطية المنقوصة التي نمارسها تمنح الحكومة وسيلة للضغط على ممثلين الشعب في عملية تصويتهم لإقرار القوانين والضغط عليهم لتتفادى الحكومة أداة نائب الأمة الرقابية.

في النهاية نستذكر جميعاً ما قاله المغفور له أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح《الحياة الديمقراطية هي سبيل الشعب الذي يحترم إرادته في الحياة الحرة، ولا كرامة من غير حرية ولا حرية من غير كرامة》 لنعمل على تكريس هذه المقولة ونجعلها متطورة لنحقق ماقاله (أبو الدستور).

Comments

Popular Posts